قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِجْعَلُوا مِنْ صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ) مَعْنَاهُ : صَلُّوا فِيهَا وَلَا تَجْعَلُوهَا كَالْقُبُورِ مَهْجُورَة مِنْ الصَّلَاة , وَالْمُرَاد لَهُ صَلَاة النَّافِلَة , أَيْ : صَلُّوا النَّوَافِل فِي بُيُوتكُمْ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قِيلَ هَذَا فِي الْفَرِيضَة , وَمَعْنَاهُ : اِجْعَلُوا بَعْض فَرَائِضكُمْ فِي بُيُوتكُمْ لِيَقْتَدِيَ بِكُمْ مَنْ لَا يَخْرُج إِلَى الْمَسْجِد مِنْ نِسْوَة وَعَبِيد وَمَرِيض وَنَحْوهمْ , قَالَ : وَقَالَ الْجُمْهُور بَلْ هُوَ فِي النَّافِلَة لِإِخْفَائِهَا وَلِلْحَدِيثِ الْآخَر : ( أَفْضَل الصَّلَاة صَلَاة الْمَرْء فِي بَيْته إِلَّا الْمَكْتُوبَة ) قُلْت : الصَّوَاب أَنَّ الْمُرَاد النَّافِلَة , وَجَمِيع أَحَادِيث الْبَاب تَقْتَضِيه , وَلَا يَجُوزُ حَمْله عَلَى الْفَرِيضَة وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى النَّافِلَة فِي الْبَيْت لِكَوْنِهِ أَخْفَى وَأَبْعَدَ مِنْ الرِّيَاء , وَأَصْوَنُ مِنْ الْمُحْبِطَات , وَلِيَتَبَرَّك الْبَيْت بِذَلِكَ وَتَنْزِل فِيهِ الرَّحْمَة وَالْمَلَائِكَة وَيَنْفِر مِنْهُ الشَّيْطَان , كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَإِنَّ اللَّه جَاعِل فِي بَيْته مِنْ صَلَاته خَيْرًا ).