قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاةٍ وَصِيَام وَزَكَاة وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا , وَقَذَفَ هَذَا إِلَى آخِره ) مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا حَقِيقَة الْمُفْلِس , وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مَال , وَمَنْ قَلَّ مَاله , فَالنَّاس يُسَمُّونَهُ مُفْلِسًا , وَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَة الْمُفْلِس ; لِأَنَّ هَذَا أَمْر يَزُول , وَيَنْقَطِع بِمَوْتِهِ , وَرُبَّمَا يَنْقَطِع بِيَسَارٍ يَحْصُل لَهُ بَعْد ذَلِكَ فِي حَيَاته , وَإِنَّمَا حَقِيقَة الْمُفْلِس هَذَا الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث فَهُوَ الْهَالِك الْهَلَاك التَّامّ , وَالْمَعْدُوم الْإِعْدَام الْمُقَطَّع , فَتُؤْخَذ حَسَنَاته لِغُرَمَائِهِ , فَإِذَا فَرَغَتْ حَسَنَاته أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتهمْ , فَوُضِعَ عَلَيْهِ , ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّار فَتَمَّتْ خَسَارَته وَهَلَاكه وَإِفْلَاسه. قَالَ الْمَازِرِيُّ وَزَعَمَ بَعْض الْمُبْتَدِعَة أَنَّ هَذَا الْحَدِيث مُعَارِض لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } وَهَذَا الِاعْتِرَاض غَلَط مِنْهُ وَجَهَالَة بَيِّنَة ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْره وَظُلْمه , فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوق لِغُرَمَائِهِ , فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاته , فَلَمَّا فَرَغَتْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّة قُوبِلَتْ عَلَى حَسَب مَا اِقْتَضَتْهُ حِكْمَة اللَّه تَعَالَى فِي خَلْقه , وَعَدْله فِي عِبَاده , فَأُخِذَ قَدْرهَا مِنْ سَيِّئَات خُصُومه , فَوُضِعَ عَلَيْهِ , فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّار. فَحَقِيقَة الْعُقُوبَة إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ ظُلْمه , وَلَمْ يُعَاقَب بِغَيْرِ جِنَايَة وَظُلْم مِنْهُ , وَهَذَا كُلّه مَذْهَب أَهْل السُّنَّة. وَاَللَّه أَعْلَم.