قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُهْجُوَا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ ) هُوَ بِفَتْحِ الرَّاء , وَهُوَ الرَّمْيُ بِهَا. وَأَمَّا الرِّشْق بِالْكَسْرِ فَهُوَ اِسْمٌ لِلنَّبْلِ الَّتِي تُرْمَى دَفْعَةً وَاحِدَةً , وَفِي بَعْض النُّسَخِ ( رَشْق النَّبْل ). وَفِيهِ جَوَاز هَجْو الْكُفَّار مَا لَمْ يَكُنْ أَمَان , وَأَنَّهُ لَا غِيبَةَ فِيهِ. وَأَمَّا أَمْرُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِجَائِهِمْ , وَطَلَبُهُ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابه وَاحِدًا بَعْد وَاحِد , وَلَمْ يَرْضَ قَوْل الْأَوَّل وَالثَّانِي حَتَّى أَمَرَ حَسَّان , فَالْمَقْصُود مِنْهُ النِّكَايَة فِي الْكُفَّار , وَقَدْ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِالْجِهَادِ فِي الْكُفَّار وَالْإِغْلَاظ عَلَيْهِمْ , وَكَانَ هَذَا الْهَجْو أَشَدّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْق النَّبْل , فَكَانَ مَنْدُوبًا لِذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ كَفِّ أَذَاهُمْ , وَبَيَان نَقْصِهِمْ , وَالِانْتِصَار بِهِجَائِهِمْ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْعُلَمَاء : يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْدَأَ الْمُشْرِكُونَ بِالسَّبِّ وَالْهِجَاء مَخَافَةً مِنْ سَبِّهِمْ الْإِسْلَام وَأَهْله. قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } وَلِتَنْزِيهِ أَلْسِنَة الْمُسْلِمِينَ عَنْ الْفُحْش , إِلَّا أَنْ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَة لِابْتِدَائِهِمْ بِهِ , فَكَيْف أَذَاهُمْ وَنَحْوه كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله : ( قَدْ آنَ لَكُمْ ) أَيْ حَانَ لَكُمْ ( أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَد الضَّارِب بِذَنَبِهِ ) قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِذَنَبِهِ هُنَا لِسَانه , فَشَبَّهَ نَفْسه بِالْأَسَدِ فِي اِنْتِقَامه وَبَطْشه إِذَا اِغْتَاظَ , وَحِينَئِذٍ يَضْرِبُ بِذَنَبِهِ جَنْبَيْهِ كَمَا فَعَلَ حَسَّان بِلِسَانِهِ حِينَ أَدْلَعَهُ , فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ , فَشَبَّهَ نَفْسَهُ بِالْأَسَدِ , وَلِسَانَهُ بِذَنَبِهِ.
قَوْله : ( ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانه ) أَيْ أَخْرَجَهُ عَنْ الشَّفَتَيْنِ. يُقَالُ : دَلَعَ لِسَانَهُ وَأَدْلَعَهُ , وَدَلَعَ اللِّسَان بِنَفْسِهِ.
قَوْله : ( لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الْأَدِيم ) أَيْ لَأُمَزِّقَنَّ أَعْرَاضهمْ تَمْزِيق الْجِلْد. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَجَاهُمْ حَسَّان فَشَفَى وَاشْتَفَى ) أَيْ شَفَى الْمُؤمِنِينَ , وَاشْتَفَى هُوَ بِمَا نَالَهُ مِنْ أَعْرَاض الْكُفَّار , وَمَزَّقَهَا , وَنَافَحَ عَنْ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمِينَ.
قَوْله : ( هَجَوْت مُحَمَّدًا تَقِيَا ) وَفِي كَثِير مِنْ النَّسْخ : ( حَنِيفًا ) بَدَل ( بَرًّا تَقِيًّا ) فَالْبَرّ بِفَتْحِ الْبَاء الْوَاسِع الْخَيْر , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْبِرّ بِكَسْرِ الْبَاء وَهُوَ الِاتِّسَاع فِي الْإِحْسَان , وَهُوَ اِسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ وَقِيلَ : الْبَرُّ هُنَا بِمَعْنَى الْمُتَنَزِّه عَنْ الْمَآثِم. وَأَمَّا الْحَنِيفُ فَقِيلَ : هُوَ الْمُسْتَقِيمُ , وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ الْمَائِل إِلَى الْخَيْر. وَقِيلَ : الْحَنِيفُ التَّابِعُ مِلَّة إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله : ( شِيمَته الْوَفَاء ) أَيْ خُلُقه.
قَوْله : فَإِنَّ أَبِي وَوَالِده وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّد مِنْكُمْ وِقَاء هَذَا مِمَّا اِحْتَجَّ بِهِ اِبْن قُتَيْبَة لِمَذْهَبِهِ أَنَّ عِرْض الْإِنْسَان هُوَ نَفْسه لَا أَسْلَافه , لِأَنَّهُ ذَكَرَ عِرْضه وَأَسْلَافه بِالْعَطْفِ. وَقَالَ غَيْره : عِرْض الرَّجُل أُمُوره كُلّهَا الَّتِي يُحْمَدُ بِهَا وَيُذَمُّ مِنْ نَفْسه وَأَسْلَافه , وَكُلّ مَا لَحِقَهُ نَقْصٌ يَعِيبُهُ. وَأَمَّا
قَوْله : ( وِقَاء ) فَبِكَسْرِ الْوَاو وَبِالْمَدِّ , وَهُوَ مَا وَقَيْت بِهِ الشَّيْء.
قَوْله : ( تُثِيرُ النَّقْعَ ) أَيْ تَرْفَع الْغُبَار وَتُهَيِّجُهُ.
قَوْله : ( مِنْ كَنَفَيْ كَدَاءِ ) هُوَ بِفَتْحِ النُّون أَيْ جَانِبَيْ كَدَاءِ بِفَتْحِ الْكَاف وَبِالْمَدِّ , هِيَ ثَنِيَّةٌ عَلَى بَاب مَكَّة , سَبَقَ بَيَانهَا فِي كِتَاب الْحَجّ , وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة فِي هَذَا الْبَيْت إِقْوَاء مُخَالِفٌ لِبَاقِيهَا , وَفِي بَعْض النُّسَخ : ( غَايَتهَا كَدَاءِ ). وَفِي بَعْضهَا ( مَوْعِدُهَا كَدَاءِ ).
قَوْله : ( يُبَارِينَ الْأَعِنَّة ) وَيُرْوَى : ( يُبَارِعْنَ الْأَعِنَّة ). قَالَ الْقَاضِي : الْأَوَّل هُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرِينَ , وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لِصَرَامَتِهَا وَقُوَّة نُفُوسهَا تُضَاهِي أَعِنَّتَهَا بِقُوَّةِ جَبْذهَا لَهَا , وَهِيَ مُنَازَعَتهَا لَهَا أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي : وَفِي رِوَايَة اِبْن الْحَذَّاء ( يُبَارِينَ الْأَسِنَّة ) , وَهِيَ الرِّمَاح. قَالَ : فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَمَعْنَاهَا أَنَّهُنَّ يُضَاهِينَ قَوَامهَا وَاعْتِدَالهَا.
قَوْله : ( مُصْعِدَات ) أَيْ مُقْبِلَات إِلَيْكُمْ , وَمُتَوَجِّهَات. يُقَالُ : أَصْعَدَ فِي الْأَرْض إِذَا ذَهَبَ فِيهَا مُبْتَدِئًا , وَلَا يُقَالُ لِلرَّاجِعِ.
قَوْله : ( عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَل الظِّمَاء ) أَمَّا أَكْتَافهَا فَبِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقُ. وَالْأَسَلُ بِفَتْحِ الْهَمْزَة وَالسِّين الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا لَام. هَذِهِ رِوَايَة الْجُمْهُور وَالْأَسَل الرِّمَاح , وَالظِّمَاء الرِّقَاق , فَكَأَنَّهَا لِقِلَّةِ مَائِهَا عِطَاش. وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالظِّمَاءِ الْعِطَاش لِدِمَاءِ الْأَعْدَاء وَفِي بَعْض الرِّوَايَات ( الْأُسْد الظِّمَاء ) بِالدَّالِ أَيْ الرِّجَال الْمُشْبِهُونَ لِلْأُسْدِ الْعِطَاش إِلَى دِمَائِكُمْ.
قَوْله : ( تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَات ) أَيْ تَظَلُّ خُيُولُنَا مُسْرِعَات يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
قَوْله : ( تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاء ) أَيْ تَمْسَحُهُنَّ النِّسَاء بِخُمُرِهِنَّ , بِضَمِّ الْخَاء وَالْمِيمِ , جَمْع خِمَار أَيْ يُزِلْنَ عَنْهُنَّ الْغُبَار , وَهَذَا لِعَزَّتِهَا وَكَرَامَتِهَا عِنْدهمْ. وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّهُ رُوِيَ ( بِالْخَمْرِ ) بِفَتْحِ الْمِيم جَمْع خَمْرَة وَهُوَ صَحِيح الْمَعْنَى , لَكِنَّ الْأَوَّل هُوَ الْمَعْرُوف , وَهُوَ الْأَبْلَغُ فِي إِكْرَامِهَا.
قَوْله : ( وَقَالَ اللَّه قَدْ يَسَّرْت جُنْدًا ) أَيْ هَيَّأْتهمْ وَأَرْصَدْتُهُمْ.
قَوْله : ( عُرْضَتُهَا اللِّقَاء ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْن أَيْ مَقْصُودهَا وَمَطْلُوبهَا.
قَوْله : ( لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ ) أَيْ مُمَاثِلٌ وَلَا مُقَاوِمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.