قَوْله : ( اِشْتَرَيْت نُمْرُقَة ) هِيَ بِضَمِّ النُّون وَالرَّاء , وَيُقَال : بِكَسْرِهِمَا , وَيُقَال : بِضَمِّ النُّون وَفَتْح الرَّاء , ثَلَاث لُغَات , وَيُقَال : ( نُمْرُق ) بِلَا هَاء , وَهِيَ وِسَادَة صَغِيرَة , وَقِيلَ : هِيَ مِرْفَقَة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ أَصْحَاب هَذِهِ الصُّوَر يُعَذَّبُونَ , وَيُقَال لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) . وَفِي الرِّوَايَة السَّابِقَة : ( أَشَدّ النَّاس عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّه تَعَالَى ) وَفِي رِوَايَة : ( الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَر يُعَذَّبُونَ يَوْم الْقِيَامَةَ , يُقَال لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) وَفِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس : ( كُلّ مُصَوِّر فِي النَّار يُجْعَل لَهُ بِكُلِّ صُورَة صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبهُ فِي جَهَنَّم ) وَفِي رِوَايَة : ( مَنْ صَوَّرَ صُورَة فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخ فِيهَا الرُّوح يَوْم الْقِيَامَة وَلَيْسَ بِنَافِخٍ ). وَفِي رِوَايَة ( قَالَ اللَّه تَعَالَى , وَمَنْ أَظْلِم مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق خَلْقًا كَخَلْقِي , فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة , أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّة , أَوْ لِيَخْلُقُوا شُعَيْرَة ). وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيُقَال لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) فَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه الْأُصُولِيُّونَ أَمْر تَعْجِيز كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ }. وَأَمَّا قَوْله فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس : ( يَجْعَل لَهُ ) فَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ ( يَجْعَل ) وَالْفَاعِل هُوَ اللَّه تَعَالَى , أُضْمِرَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس : تُحْتَمَل أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ الصُّورَة الَّتِي صَوَّرَهَا هِيَ تُعَذِّبهُ , بَعْد أَنْ يَجْعَل فِيهَا رُوح , وَتَكُون الْبَاء فِي ( بِكُلِّ ) بِمَعْنَى ( فِي قَالَ : وَيُحْتَمَل أَنْ يَجْعَل لَهُ بِعَدَدِ كُلّ صُورَة وَمَكَانهَا شَخْص يُعَذِّبهُ , وَتَكُون الْبَاء بِمَعْنَى لَام السَّبَب. وَهَذِهِ الْأَحَادِيث صَرِيحَة فِي تَحْرِيم تَصْوِير الْحَيَوَان , وَأَنَّهُ غَلِيظ التَّحْرِيم , وَأَمَّا الشَّجَر وَنَحْوه مِمَّا لَا رُوح فِيهِ فَلَا تَحْرُم صَنْعَته , وَلَا التَّكَسُّب بِهِ , وَسَوَاء الشَّجَر الْمُثْمِر وَغَيْره , وَهَذَا مَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا مُجَاهِدًا فَإِنَّهُ جَعَلَ الشَّجَر الْمُثْمِر مِنْ الْمَكْرُوه. قَالَ الْقَاضِي : لَمْ يَقُلْهُ أَحَد غَيْر مُجَاهِد , وَاحْتَجَّ مُجَاهِد بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق خَلْقًا كَخَلْقِي } وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور 0بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيُقَال لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ ) أَيْ اِجْعَلُوهُ حَيَوَانًا ذَا رُوح كَمَا ضَاهَيْتُمْ , وَعَلَيْهِ رِوَايَة : ( وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق خَلْقًا كَخَلْقِي ) وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْمَذْكُور فِي الْكِتَاب : ( إِنْ كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَاصْنَعْ الشَّجَر , وَمَا لَا نَفْس لَهُ ).