وَقَوْله : ( يَنْكَأ ) بِفَتْحِ الْيَاء وَبِالْهَمْزِ فِي آخِره , وَهَكَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَات الْمَشْهُورَة , قَالَ الْقَاضِي : كَذَا رَوَيْنَاهُ , قَالَ : وَفِي بَعْض الرِّوَايَات : ( يَنْكِي ) بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الْكَاف غَيْر مَهْمُوز , قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ أَوْجَه ; لِأَنَّ الْمَهْمُوز إِنَّمَا هُوَ مِنْ نَكَأْت الْقُرْحَة , وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه إِلَّا عَلَى تَجَوُّز , وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ النِّكَايَة , يُقَال : نَكَيْت الْعَدُوّ وَأَنْكَيْتُه نِكَايَة وَنَكَأْت بِالْهَمْزِ لُغَة فِيهِ. قَالَ : فَعَلَى هَذِهِ اللُّغَة تَتَوَجَّه رِوَايَة شُيُوخنَا , وَيَفْقَأ الْعَيْن مَهْمُوز. فِي هَذَا الْحَدِيث : النَّهْي عَنْ الْخَذْف ; لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَة فِيهِ وَيُخَاف مَفْسَدَته , وَيَلْتَحِق بِهِ كُلّ مَا شَارَكَهُ فِي هَذَا. وَفِيهِ : أَنَّ مَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَة أَوْ حَاجَة فِي قِتَال الْعَدُوّ وَتَحْصِيل الصَّيْد فَهُوَ جَائِز , وَمِنْ ذَلِكَ رَمْي الطُّيُور الْكِبَار بِالْبُنْدُقِ إِذَا كَانَ لَا يَقْتُلهَا غَالِبًا , بَلْ تُدْرَك حَيَّة وَتُذَكَّى فَهُوَ جَائِز.
قَوْله : ( أُحَدِّثك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَذْف ثُمَّ تَخْذِف ؟ ! ! لَا أُكَلِّمك أَبَدًا ) فِيهِ : هِجْرَان أَهْل الْبِدَع وَالْفُسُوق وَمُنَابِذِي السُّنَّة مَعَ الْعِلْم. وَأَنَّهُ يَجُوز هِجْرَانه دَائِمًا , وَالنَّهْي عَنْ الْهِجْرَان فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ هَجَرَ لِحَظّ نَفْسه وَمَعَايِش الدُّنْيَا , وَأَمَّا أَهْل الْبِدَع وَنَحْوهمْ فَهِجْرَانهمْ دَائِمًا , وَهَذَا الْحَدِيث مِمَّا يُؤَيِّدهُ مَعَ نَظَائِر لَهُ كَحَدِيثِ كَعْب بْن مَالِك وَغَيْره.