قَوْله : ( فَتَغَيَّرَ وَجْهه حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ ) هُوَ بِكَسْرِ الصَّاد الْمُهْمَلَة , وَهُوَ صَبْغٌ أَحْمَرُ يُصْبَغ بِهِ الْجُلُود , قَالَ اِبْن دُرَيْدٍ : وَقَدْ يُسَمَّى الدَّم أَيْضًا صِرْفًا.
قَوْله : ( فَقَالَ رَجُل : وَاَللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْه اللَّه ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - : حُكْم الشَّرْع أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَرَ وَقُتِلَ , وَلَمْ يَذْكُر فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ هَذَا الرَّجُل قُتِلَ , قَالَ الْمَازِرِيّ : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون لَمْ يَفْهَم مِنْهُ الطَّعْن فِي النُّبُوَّة , وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى تَرْك الْعَدْل فِي الْقِسْمَة , وَالْمَعَاصِي ضَرْبَانِ : كَبَائِر وَصَغَائِر , فَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُوم مِنْ الْكَبَائِر بِالْإِجْمَاعِ , وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْكَان وُقُوع الصَّغَائِر , وَمَنْ جَوَّزَهَا مَنَعَ مِنْ إِضَافَتهَا إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَى طَرِيق التَّنْقِيص , وَحِينَئِذٍ فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَاقِب هَذَا الْقَائِل ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُت عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا نَقَلَهُ عَنْهُ وَاحِد , وَشَهَادَة الْوَاحِد لَا يُرَاق بِهَا الدَّم. قَالَ الْقَاضِي : هَذَا التَّأْوِيل بَاطِل يَدْفَعهُ
قَوْله : اِعْدِلْ يَا مُحَمَّد , وَاتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّد , وَخَاطَبَهُ خِطَاب الْمُوَاجِهَة بِحَضْرَةِ الْمَلَأ حَتَّى اِسْتَأْذَنَ عُمَر وَخَالِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْله , فَقَالَ : " مَعَاذ اللَّه أَنْ يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُل أَصْحَابه " فَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّة , وَسَلَكَ مَعَهُ مَسْلَكه مَعَ غَيْره مِنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آذَوْهُ , وَسَمِعَ مِنْهُمْ فِي غَيْر مَوْطِن مَا كَرِهَهُ , لَكِنَّهُ صَبَرَ اِسْتِبْقَاءً لِانْقِيَادِهِمْ وَتَأْلِيفًا لِغَيْرِهِمْ , لِئَلَّا يَتَحَدَّث النَّاس أَنَّهُ يَقْتُل أَصْحَابه فَيَنْفِرُوا , وَقَدْ رَأَى النَّاس هَذَا الصِّنْف فِي جَمَاعَتهمْ وَعَدُوّهُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ.