حَدِيث جُبَيْر بْن مُطْعِم فِي السُّؤَال عَنْ بَنِي نَوْفَل وَعَبْد شَمْس , تَقَدَّمَ شَرْحه فِي كِتَاب الْخُمُس.
قَوْله : ( كَانَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَحَبّ الْبَشَر إِلَى عَائِشَة ) هُوَ اِبْن أُخْتهَا أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر وَكَانَتْ قَدْ تَوَلَّتْ تَرْبِيَته حَتَّى كَانَتْ تُكَنَّى بِهِ.
قَوْله : ( وَكَانَتْ لَا تُمْسِك شَيْئًا ) أَيْ لَا تَدَّخِر شَيْئًا مِمَّا يَأْتِيهَا مِنْ الْمَال. ( يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذ عَلَى يَدَيْهَا ) أَيْ يُحْجَر عَلَيْهَا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي بِأَوْضَح مِنْ هَذَا السِّيَاق لِهَذِهِ الْقِصَّة فِي كِتَاب الْأَدَب وَسَأَذْكُرُ شَرْحه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
قَوْله : ( وَقَالَتْ وَدِدْت أَنِّي جَعَلْت حِين حَلَفْت عَمَلًا أَعْمَلهُ فَأَفْرُغ مِنْهُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اِنْعِقَاد النَّذْر الْمَجْهُول , وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّة لَكِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِيهِ كَفَّارَة يَمِين , وَظَاهِر قَوْل عَائِشَة وَصَنِيعهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِي وَأَنَّهُ يُحْمَل عَلَى أَكْثَر مَا يُمْكِن أَنْ يُنْذَر , وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون فَعَلَتْ ذَلِكَ تَوَرُّعًا لِتَيَقُّنِ بَرَاءَة الذِّمَّة , وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ تَمَنَّتْ أَنْ يَدُوم لَهَا الْعَمَل الَّذِي عَمِلَتْهُ لِلْكَفَّارَةِ أَيْ تَصِير تَعْتِق دَائِمًا , وَكَذَا مَنْ قَالَ تَمَنَّتْ أَنَّهَا بَادَرَتْ إِلَى الْكَفَّارَة حِين حَلَفْت وَلَمْ تَكُنْ هَجَرْت عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر تِلْكَ الْمُدَّة , وَوَجْهُ بُعْدِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي السِّيَاق مَا يَقْتَضِي مَنْعهَا مِنْ الْعِتْق فَكَيْف تَتَمَنَّى مَا لَا مَانِع لَهَا مِنْ إِيقَاعه ؟ ثُمَّ أَنَّهُ يُقَيَّد بِاقْتِدَارِهَا عَلَيْهِ لَا إِلْزَامهَا بِهِ مَعَ عَدَم الِاقْتِدَار , وَأَمَّا بُعْد الثَّانِي فَلِقَوْلِهَا فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث كَمَا سَيَأْتِي إِنَّهَا كَانَتْ تَذْكُر نَذْرهَا فَتَبْكِي حَتَّى يَبُلّ دَمْعهَا خِمَارهَا , فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَظُنّ أَنَّهَا مَا وَفَّتْ بِمَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ الْكَفَّارَة. وَاسْتَشْكَلَ اِبْن التِّين وُقُوع الْحِنْث عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ دُخُول اِبْن الزُّبَيْر مَعَ الْجَمَاعَة قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُون لَمَّا سَلَّمُوا عِنْد دُخُولهمْ رَدَّتْ عَلَيْهِمْ السَّلَام وَهُوَ فِي جُمْلَتهمْ فَوَقَعَ الْحِنْث قَبْل أَنْ يَقْتَحِم الْحِجَاب اِنْتَهَى. وَغَفَلَ عَمَّا وَقَعَ فِي حَدِيث الْمِسْوَر الَّذِي أَشَرْت إِلَيْهِ وَفِيهِ " فَقَالَتْ عَائِشَة إِنِّي نَذَرْت وَالنَّذْر شَدِيد فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمْت اِبْن الزُّبَيْر " مَعَ أَنَّ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ اِبْن التِّين لَوْ لَمْ يَرُدّ هَذَا التَّصْرِيح لَكَانَ مُتَعَقَّبًا , وَوَجْهه أَنَّهُ يَجُوز لَهَا رَدّ السَّلَام عَلَيْهِمْ إِذَا نَوَتْ إِخْرَاجه وَلَا تَحْنَث بِذَلِكَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.