قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنِي حُصَيْنٌ ) رَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ هُشَيْمٍ أَنْبَأَنَا حُصَيْنٌ وَمُجَالِدٌ , وَكَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ هُشَيْمٍ إِلَّا أَنَّهُ فَرَّقَهُمَا.
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ) فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ " أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ " وَكَذَا أَخْرَجَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ , وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ حُصَيْنٍ.
قَوْلُهُ : ( لَمَّا نَزَلَتْ : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. عَمَدْت إِلَخْ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ عَدِيًّا كَانَ حَاضِرًا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ , وَهُوَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ إِسْلَامِهِ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضِ الصَّوْمِ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ , وَإِسْلَامَ عَدِيٍّ كَانَ فِي التَّاسِعَةِ أَوْ الْعَاشِرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ اِبْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي , فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَأَخَّرَ نُزُولُهَا عَنْ نُزُولِ فَرْضِ الصَّوْمِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا , وَإِمَّا أَنْ يَؤُولَ قَوْلُ عَدِيٍّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " لَمَّا نَزَلَتْ " أَيْ لَمَّا تُلِيَتْ عَلَيَّ عِنْدَ إِسْلَامِي , أَوْ لَمَّا بَلَغَنِي نُزُولُ الْآيَةِ أَوْ فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ ثُمَّ قَدِمْت فَأَسْلَمْت وَتَعَلَّمْت الشَّرَائِعَ عَمَدْت , وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ حَدِيثَهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ بِلَفْظِ " عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ فَقَالَ : صَلِّ كَذَا وَصُمْ كَذَا , فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ فَكُلْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَك الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. قَالَ : فَأَخَذْت خَيْطَيْنِ " الْحَدِيثَ.
قَوْلُهُ : ( إِلَى عِقَالٍ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ حَبْلٍ وَفِي رِوَايَةِ مُجَالِدٍ " فَأَخَذْت خَيْطَيْنِ مِنْ شَعْرٍ ".
قَوْلُهُ : ( فَجَعَلْت أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي ) فِي رِوَايَةِ مُجَالِدٍ " فَلَا أَسْتَبِينُ الْأَبْيَضَ مِنْ الْأَسْوَدِ ".
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ ) زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ " إِنَّ وِسَادَك إِذًا لَعَرِيضٌ " وَكَذَا لِأَحْمَدَ عَنْ هُشَيْمٍ , وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ يُوسُفَ الْقَاضِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ عَنْ هُشَيْمٍ " قَالَ فَضَحِكَ وَقَالَ : إِنْ كَانَ وِسَادُك إِذًا لَعَرِيضًا " وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ حُصَيْنٍ وَزَادَ " إِنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِك " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ " إِنَّ وِسَادَك لَعَرِيضٌ طَوِيلٌ " وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ " إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا " وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ مُطَرِّف " فَضَحِكَ وَقَالَ : لَا يَا عَرِيضَ الْقَفَا " قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي " الْمَعَالِمِ " فِي قَوْلِهِ " إِنَّ وِسَادَك لَعَرِيضٌ " قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا يُرِيدُ إِنَّ نَوْمَك لَكَثِيرٌ , وَكَنَّى بِالْوِسَادَةِ عَنْ النَّوْمِ لِأَنَّ النَّائِمَ يَتَوَسَّدُ , أَوْ أَرَادَ إِنَّ لَيْلَك لَطَوِيلٌ إِذَا كُنْت لَا تُمْسِكُ عَنْ الْأَكْلِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَك الْعِقَالُ , وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ كَنَّى بِالْوِسَادَةِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَضَعُهُ مِنْ رَأْسِهِ وَعُنُقِهِ عَلَى الْوِسَادَةِ إِذَا نَامَ , وَالْعَرَبُ تَقُولُ فُلَانٌ عَرِيضُ الْقَفَا إِذَا كَانَ فِيهِ غَبَاوَةٌ وَغَفْلَةٌ , وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ أُخْرَى " إِنَّك عَرِيضُ الْقَفَا " وَجَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالتَّأْوِيلِ الثَّانِي فَقَالَ : إِنَّمَا عَرَّضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَفَا عَدِيٍّ لِأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ الْبَيَانِ , وَعُرْضُ الْقَفَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قِلَّةِ الْفَطِنَةِ , وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا , وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ : حَمَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الذَّمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَهْمِ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى الْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ وَعَدَمِ الْفِقْهِ , وَعَضَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " إِنَّك عَرِيضُ الْقَفَا " وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ لِأَنَّ مَنْ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى حَقِيقَتِهِ اللِّسَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ دَلِيلُ التَّجَوُّزِ لَمْ يَسْتَحِقَّ ذَمًّا وَلَا يُنْسَبُ إِلَى جَهْلٍ , وَإِنَّمَا عَنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وِسَادَك إِنْ كَانَ يُغَطِّي الْخَيْطَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرَادَ اللَّهُ فَهُوَ إِذًا عَرِيضٌ وَاسِعٌ , وَلِهَذَا قَالَ فِي أَثَرِ ذَلِكَ : إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَكَيْفَ يَدْخُلَانِ تَحْتَ وِسَادَتِك ؟ وَقَوْلُهُ " إِنَّك لَعَرِيضُ الْقَفَا " أَيْ إِنَّ الْوِسَادَ الَّذِي يُغَطِّي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَرْقُدُ عَلَيْهِ إِلَّا قَفًا عَرِيضٌ لِلْمُنَاسَبَةِ. قُلْت : وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ اِبْنُ حِبَّانَ " ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَفَاوَتُ لُغَاتُهَا " وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ عَدِيًّا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ فِي لُغَتِهِ أَنَّ سَوَادَ اللَّيْلِ وَبَيَاضَ النَّهَارِ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْخَيْطِ الْأَسْوَدِ وَالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ. وَسَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ اِبْنُ الْمُنَيِّرِ فِي الْحَاشِيَةِ : فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ جَوَازُ التَّوْبِيخِ بِالْكَلَامِ النَّادِرِ الَّذِي يَسِيرُ فَيَصِيرُ مَثَلًا بِشَرْطِ صِحَّةِ الْقَصْدِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ عِنْدَ أَمْنِ الْغُلُوِّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَزَلَّةُ الْقَدَمِ إِلَّا لِمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.