قَوْله : ( وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى ) مَعْنَاهُ تَأْتِيه الْمَلَائِكَة وَالْوَحْي كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الْآخَر ( إِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي وَأَنَّ الْمَلَائِكَة تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَم ) وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُك الثُّوم دَائِمًا لِأَنَّهُ يَتَوَقَّع مَجِيء الْمَلَائِكَة وَالْوَحْي كُلّ سَاعَة. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي حُكْم الثُّوم فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَذَلِكَ الْبَصَل وَالْكُرَّاث وَنَحْوهَا , فَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : هِيَ مُحَرَّمَة عَلَيْهِ , وَالْأَصَحّ عِنْدهمْ أَنَّهَا مَكْرُوهَة كَرَاهَة تَنْزِيه لَيْسَتْ مُحَرَّمَة لِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : لَا فِي جَوَاب قَوْله أَحَرَام هُوَ ؟ وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ يَقُول : مَعْنَى الْحَدِيث لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي حَقِّكُمْ. وَاللَّه أَعْلَم.
قَوْله : ( نَزَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السُّفْل وَأَبُو أَيُّوب فِي الْعُلْو , ثُمَّ ذَكَرَ كَرَاهَة أَبِي أَيُّوب لِعُلُوِّهِ وَمَشْيه فَوْق رَأْس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَوَّلَ إِلَى الْعُلْو ) أَمَّا نُزُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا فِي السُّفْل فَقَدْ صَرَّحَ بِسَبَبِهِ , وَأَنَّهُ أَرْفَق بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ وَقَاصِدِيهِ. وَأَمَّا كَرَاهَة أَبِي أَيُّوب فَمِنْ الْأَدَب الْمَحْبُوب الْجَمِيل , وَفِيهِ إِجْلَال أَهْل الْفَضْل , وَالْمُبَالَغَة فِي الْأَدَب مَعَهُمْ. وَالسُّفْل وَالْعُلْو بِكَسْرِ أَوَّلهمَا وَضَمّه لُغَتَانِ. وَفِيهِ مَنْقَبَة ظَاهِرَة لِأَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ أَوْجُه : مِنْهَا نُزُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ( عِنْده ) وَمِنْهَا أَدَبه مَعَهُ , وَمِنْهَا مُوَافَقَته فِي تَرْك الثُّوم. وَقَوْله : ( إِنِّي أَكْرَه مَا تَكْرَه ) وَمِنْ أَوْصَاف الْمُحِبّ الصَّادِق أَنْ يُحِبّ مَا أَحَبَّ مَحْبُوبه , وَيَكْرَه مَا كَرِهَ.
قَوْله : ( فَكَانَ يَصْنَع لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا , فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِع أَصَابِعه , فَيَتَتَبَّع مَوْضِع أَصَابِعه ) يَعْنِي إِذَا بَعَثَ إِلَيْهِ فَأَكَلَ مِنْهُ حَاجَته , ثُمَّ رَدَّ الْفَضْلَة , أَكَلَ أَبُو أَيُّوب مِنْ مَوْضِع أَصَابِع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَرُّكًا , فَفِيهِ التَّبَرُّك بِآثَارِ أَهْل الْخَيْر فِي الطَّعَام وَغَيْره.
قَوْله : ( فَقِيلَ لَهُ : لَمْ يَأْكُل , فَفَزِعَ ) يَعْنِي فَزِعَ لِخَوْفِهِ أَنْ يَكُون حَدَثَ مِنْهُ أَمْر أَوْجَبَ الِامْتِنَاع مِنْ طَعَامه.
قَوْله : ( حَدَّثَنَا حَجَّاج وَأَحْمَد بْن سَعِيد قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَان حَدَّثَنَا ثَابِت فِي رِوَايَة حَجَّاج بْن يَزِيد أَخُو زَيْد الْأَحْوَل ) هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم النُّسَخ بِبِلَادِنَا : ( أَخُو زَيْد ) بِالْخَاءِ , وَهُوَ غَلَط بِاتِّفَاقِ الْحُفَّاظ , وَصَوَابه ( أَبُو زَيْد ) بِالْبَاءِ كُنْيَة لِثَابِتٍ , وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَلَى الصَّوَاب عَنْ جَمِيع شُيُوخهمْ وَنُسَخ بِلَادهمْ , وَأَنَّهُ فِي كُلّهَا ( أَبُو زَيْد ) بِالْبَاءِ. قَالَ : وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ ( أَخُو زَيْد ) , وَهُوَ خَطَأ مَحْض , وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِت بْن زَيْد أَبُو زَيْد الْأَنْصَارِيّ الْبَصْرِيّ الْأَحْوَل. وَحَكَى الْبُخَارِيّ فِي تَارِيخه عَنْ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ أَنَّهُ قَالَ : ثَابِت بْن زَيْد قَالَ الْبُخَارِيّ : وَالْأَصَحّ ( ثَابِت بْن يَزِيد ) بِالْيَاءِ أَبُو زَيْد. وَقَوْله : فِي أَصْل كِتَاب مُسْلِم : ( الْأَحْوَل ) مَرْفُوع صِفَة لِثَابِتٍ. وَاللَّه أَعْلَم.