قَوْله ( عَنْ الْهِجْرَة ) هِيَ تَرْك الْوَطَن وَالِانْتِقَال إِلَى الْمَدِينَة تَأْيِيدًا وَتَقْوِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِعَانَة لَهُمْ عَلَى قِتَال الْكَفَرَة وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ صَارَتْ مَنْدُوبَة فَلَعَلَّ السُّؤَال كَانَ فِي آخِر الْأَمْر أَوْ لَعَلَّهُ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَافَ عَلَيْهِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَعْرَاب مِنْ الضَّعْف حَتَّى أَنَّ أَحَدهمْ لَيَقُولُ إِنْ حَصَلَ لَهُ مَرَض فِي الْمَدِينَة أَقِلْنِي بَيْعَتك وَنَحْو ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ إِنَّ أَمْر الْهِجْرَة شَدِيد ( وَيْحك ) لِلتَّرَحُّمِ ( فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاء الْبِحَار ) أَيْ فَأْتِ بِالْخَيْرَاتِ كُلّهَا وَإِنْ كُنْت وَرَاء الْبِحَار وَلَا يَضُرّك بُعْدك عَنْ الْمُسْلِمِينَ ( لَنْ يَتِرَك ) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي غَيْر حَاشِيَة الْكِتَاب بِكَسْرِ التَّاء الْمُثَنَّاة مِنْ فَوْق أَيْ لَنْ يَنْقُصك وَإِنْ أَقَمْت مِنْ وَرَاء الْبِحَار وَسَكَنْت أَقْصَى الْأَرْض يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ التِّرَة كَالْعِدَّةِ وَالْكَاف مَفْعُول بِهِ قُلْت وَيُحْتَمَل أَنَّهُ مِنْ التَّرْك فَالْكَاف مِنْ الْكَلِمَة أَيْ لَا يَتْرُك شَيْئًا مِنْ عَمَلك مُهْمَلًا بَلْ يُجَازِيك عَلَى جَمِيع أَعْمَالك فِي أَيّ مَحِلّ فَعَلْت وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم.