( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ الصُّرَعَةُ الَّذِي يَصْرَعُ النَّاسَ وَيَكْثُرُ مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ لِلَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ الضَّحِكُ ضُحَكَةً , وَالَّذِي يَكْثُرُ مِنْهُ النَّوْمُ نُوَمَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ الشِّدَّةِ عَنْ الصُّرَعَةِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ شِدَّتَهُ , وَإِنَّمَا أَرَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالنِّهَايَةِ فِي الشِّدَّةِ وَأَشَدُّ مِنْهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا شِدَّةٌ لَيْسَ لَهَا كَثِيرُ مَنْفَعَةٍ , وَإِنَّمَا الشِّدَّةُ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا الشِّدَّةُ الَّتِي يَمْلِكُ بِهَا نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ , وَلِهَذَا يُقَالُ لَا كَرِيمَ إِلَّا يُوسُفُ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْكَرَمِ عَنْ غَيْرِهِ , وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ إثْبَاتَ مَزِيَّةٍ لَهُ فِي الْكَرَمِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا شُجَاعَ إِلَّا عَلِيٌّ , وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ فَنُدِبَ بِهَذَا إِلَى مِلْكِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ عَنْ إمْضَاءِ مَا يَقْتَضِيهِ الْغَضَبُ مِنْ أَذَى مَنْ يَمْلِكُ أَذَاهُ أَوْ مُنَازَعَةِ مَنْ يُنَازِعُهُ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالَّذِينَ إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.