قَوْله فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى : ( عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَاهُ سَائِل يَسْأَلهُ عَنْ مَوَاقِيت الصَّلَاة فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَقَامَ الْفَجْر حِين اِنْشَقَّ الْفَجْر ) مَعْنَى
قَوْله : ( لَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا ) أَيْ لَمْ يَرُدّ جَوَابًا بِبَيَانِ الْأَوْقَات بِاللَّفْظِ , بَلْ قَالَ لَهُ : صَلِّ مَعَنَا لِتَعْرِف ذَلِكَ , وَيَحْصُل لَك الْبَيَان بِالْفِعْلِ. وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ لِنَجْمَع بَيْنه وَبَيْن حَدِيث بُرَيْدَةَ , وَلِأَنَّ الْمَعْلُوم مِنْ أَحْوَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُجِيب إِذَا سُئِلَ عَمَّا يُحْتَاج إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله فِي حَدِيث بُرَيْدَةَ وَحَدِيث أَبِي مُوسَى : ( أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاء بَعْد ثُلُث اللَّيْل ) وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ ( وَوَقْت الْعِشَاء إِلَى نِصْف اللَّيْل ). هَذِهِ الْأَحَادِيث لِبَيَانِ آخِر وَقْت الِاخْتِيَار , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الرَّاجِح مِنْهُمَا , وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى - قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّ وَقْت الِاخْتِيَار يَمْتَدّ إِلَى ثُلُث اللَّيْل , وَالثَّانِي : إِلَى نِصْفه , وَهُوَ الْأَصَحّ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن شُرَيْحٍ : لَا اِخْتِلَاف بَيْن الرِّوَايَات , وَلَا عَنْ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى , بَلْ الْمُرَاد بِثُلُثِ اللَّيْل أَنَّهُ أَوَّل اِبْتِدَائِهَا وَبِنِصْفِهِ آخِر اِنْتِهَاؤُهَا. وَيُجْمَع بَيْن الْأَحَادِيث بِهَذَا , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يُوَافِق ظَاهِر أَلْفَاظ هَذِهِ الْأَحَادِيث لِأَنَّ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَقْت الْعِشَاء إِلَى نِصْف اللَّيْل ) ظَاهِره أَنَّهُ آخِر وَقْتهَا الْمُخْتَار , وَأَمَّا حَدِيث بُرَيْدَةَ وَأَبِي مُوسَى فَفِيهِمَا أَنَّهُ شَرَعَ بَعْد ثُلُث اللَّيْل , وَحِينَئِذٍ يَمْتَدّ إِلَى قَرِيب مِنْ النِّصْف , فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَفِعْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَم.