وَقَوْله : ( السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ ) وَقَوْله فِي آخِر الصَّلَاة ( السَّلَام عَلَيْكُمْ ) فَقِيلَ : مَعْنَاهُ التَّعْوِيذ بِاَللَّهِ , وَالتَّحْصِين بِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى , فَإِنَّ السَّلَام اِسْم لَهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى تَقْدِيره اللَّه عَلَيْكُمْ حَفِيظ وَكَفِيل , كَمَا يُقَال : اللَّه مَعَك أَيْ بِالْحِفْظِ وَالْمَعُونَة وَاللُّطْف , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ السَّلَامَة وَالنَّجَاة لَكُمْ , وَيَكُون مَصْدَرًا كَاللَّذَاذَةِ وَاللَّذَاذ كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَسَلَام لَك مِنْ أَصْحَاب الْيَمِين } وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَام الَّذِي فِي
قَوْله : ( السَّلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ ) يَجُوز فِيهِ حَذْف الْأَلِف وَاللَّام فَيُقَال : سَلَام عَلَيْك أَيّهَا النَّبِيّ وَسَلَام عَلَيْنَا , وَلَا خِلَاف فِي جَوَاز الْأَمْرَيْنِ هُنَا , وَلَكِنَّ الْأَلِف وَاللَّام أَفْضَل , وَهُوَ الْمَوْجُود فِي رِوَايَات صَحِيحَيْ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم. وَأَمَّا الَّذِي فِي آخِر الصَّلَاة وَهُوَ سَلَام التَّحْلِيل فَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِيهِ , فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ هَكَذَا وَيَقُول : الْأَلِف وَاللَّام أَفْضَل , وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الْأَلِف وَاللَّام لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل إِلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّام , وَلِأَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْره فِي التَّشَهُّد , فَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّام لِيَعُودَ التَّعْرِيف إِلَى سَابِق كَلَامه , كَمَا يَقُول : جَاءَنِي رَجُل فَأَكْرَمْت الرَّجُل.
قَوْله : ( وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ ) , قَالَ الزَّجَّاج , وَصَاحِب الْمَطَالِع , وَغَيْرهمَا : الْعَبْد الصَّالِح هُوَ الْقَائِم بِحُقُوقِ اللَّه تَعَالَى وَحُقُوق الْعِبَاد. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلّ عَبْد لِلَّهِ صَالِح فِي السَّمَاء ) فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَلِف وَاللَّام دَاخِلَتَيْنِ عَلَى الْجِنْس تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاق وَالْعُمُوم.
قَوْله : ( وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَال : رَجُل مُحَمَّد وَمَحْمُود إِذَا كَثُرَتْ خِصَاله الْمَحْمُودَة. قَالَ اِبْن فَارِس : وَبِذَلِكَ سُمِّيَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا يَعْنِي لِعِلْمِ اللَّه تَعَالَى بِكَثْرَةِ خِصَاله الْمَحْمُودَة أَلْهَمَ أَهْله التَّسْمِيَة بِذَلِكَ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ يَتَخَيَّر مِنْ الْمَسْأَلَة مَا شَاءَ ) فِيهِ اِسْتِحْبَاب الدُّعَاء فِي آخِر الصَّلَاة قَبْل السَّلَام , وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوز الدُّعَاء بِمَا شَاءَ مِنْ أُمُور الْآخِرَة وَالدُّنْيَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا , وَهَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : لَا يَجُوز إِلَّا بِالدَّعَوَاتِ الْوَارِدَة فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة , وَاسْتَدَلَّ بِهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الصَّلَاة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير لَيْسَتْ وَاجِبَة , وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَبَعْض أَصْحَاب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وُجُوبهَا فِي التَّشَهُّد الْأَخِير , فَمَنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاته. وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَة مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي غَيْر مُسْلِم زِيَادَة فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتك , وَلَكِنْ هَذِهِ الزِّيَادَة لَيْسَتْ صَحِيحَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله : ( حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن سَخْبَرَة ) هُوَ بِسِينٍ مُهْمَلَة مَفْتُوحَة ثُمَّ خَاء مُعْجَمَة سَاكِنَة ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة مَفْتُوحَة.