قَوْله : ( عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس قَالَتْ : نُكِحْت اِبْن الْمُغِيرَة , وَهُوَ مِنْ خِيَار شَبَاب قُرَيْش يَوْمئِذٍ فَأُصِيبَ فِي أَوَّل الْجِهَاد مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا تَأَيَّمْت خَطَبَنِي عَبْد الرَّحْمَن ) مَعْنَى ( تَأَيَّمْت ) صِرْت أَيِّمًا , وَهِيَ الَّتِي لَا زَوْج لَهَا. قَالَ الْعُلَمَاء : قَوْلهَا : ( فَأُصِيبَ ) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْجِهَاد مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَأَيَّمْت بِذَلِكَ , إِنَّمَا تَأَيَّمْت بِطَلَاقِهِ الْبَائِن كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم فِي الطَّرِيق الَّذِي بَعْد هَذَا , وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي كِتَاب الطَّلَاق , وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي جَمِيع كُتُبهمْ. وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي وَقْت وَفَاته فَقِيلَ : تُوُفِّيَ مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَقِب طَلَاقهَا بِالْيَمَنِ , حَكَاهُ اِبْن عَبْد الْبَرّ. وَقِيلَ : بَلْ عَاشَ إِلَى خِلَافَة عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , حَكَاهُ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ. وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلهَا : فَأُصِيبَ أَيْ بِجِرَاحَةٍ , أَوْ أُصِيبَ فِي مَاله , أَوْ نَحْو ذَلِكَ هَكَذَا تَأَوَّلَهُ الْعُلَمَاء. قَالَ الْقَاضِي : إِنَّمَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ عَدّ فَضَائِله , فَابْتَدَأَتْ بِكَوْنِهِ خَيْر شَبَاب قُرَيْش , ثُمَّ ذَكَرَتْ الْبَاقِي. وَقَدْ سَبَقَ شَرْح حَدِيث فَاطِمَة هَذَا فِي كِتَاب الطَّلَاق وَبَيَان مَا اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ.
قَوْله : ( وَأُمّ شَرِيك مِنْ الْأَنْصَار ) هَذَا قَدْ أَنْكَرَهُ بَعْض الْعُلَمَاء , وَقَالَ : إِنَّمَا هِيَ قُرَشِيَّة مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ , وَاسْمهَا غَرْبَة , وَقِيلَ : غَرْبَلَة , وَقَالَ آخَرُونَ : هُمَا ثِنْتَانِ قُرَشِيَّة وَأَنْصَارِيَّة.
قَوْله : ( وَلَكِنْ اِنْتَقِلِي إِلَى اِبْن عَمّك عَبْد اللَّه بْن عَمْرو اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَهُوَ رَجُل مِنْ بَنِي فِهْر فِهْر قُرَيْش , وَهُوَ مِنْ الْبَطْن الَّذِي هِيَ مِنْهُ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع النُّسَخ. وَقَوْله ( اِبْن أُمّ مَكْتُوم ) يُكْتَب بِأَلِفٍ لِأَنَّهُ صِفَة لِعَبْدِ اللَّه لَا لِعَمْرٍو , فَنَسَبه إِلَى أَبِيهِ عَمْرو , وَإِلَى أُمّه أُمّ مَكْتُوم , فَجُمِعَ نَسَبه إِلَى أَبَوَيْهِ كَمَا فِي عَبْد اللَّه بْن مَالِك اِبْن بُحَيْنَة , وَعَبْد اللَّه بْن أُبَيِّ اِبْن سَلُول , وَنَظَائِر ذَلِكَ , وَقَدْ سَبَقَ بَيَان هَؤُلَاءِ كُلّهمْ فِي كِتَاب الْإِيمَان فِي حَدِيث الْمِقْدَاد حِين قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه. قَالَ الْقَاضِي : الْمَعْرُوف أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِ عَمّهَا , وَلَا مِنْ الْبَطْن الَّذِي هِيَ مِنْهُ , بَلْ مِنْ بَنِي مُحَارِب بْن فِهْر , وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِر بْن لُؤَيّ هَذَا كَلَام الْقَاضِي. وَالصَّوَاب أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة صَحِيح , وَالْمُرَاد بِالْبَطْنِ هُنَا الْقَبِيلَة لَا الْبَطْن الَّذِي هُوَ أَخَصّ مِنْهَا , وَالْمُرَاد أَنَّهُ اِبْن عَمّهَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ مِنْ قَبِيلَتهَا , فَالرِّوَايَة صَحِيحَة وَلِلَّهِ الْحَمْد.
قَوْله : ( الصَّلَاة جَامِعَة ) هُوَ بِنَصْبِ الصَّلَاة وَجَامِعَة , الْأَوَّل عَلَى الْإِغْرَاء , وَالثَّانِي عَلَى الْحَال. قَوْلهَا ( فَلَمَّا تَأَيَّمْت خَطَبَنِي عَبْد الرَّحْمَن ) إِلَى آخِره ظَاهِره أَنَّ الْخُطْبَة كَانَتْ فِي نَفْس الْعِدَّة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَتْ بَعْد اِنْقِضَائِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيث السَّابِقَة فِي كِتَاب الطَّلَاق , فَيُتَأَوَّل هَذَا اللَّفْظ الْوَاقِع هُنَا عَلَى ذَلِكَ , وَيَكُون
قَوْله : اِنْتَقِلِي إِلَى أُمّ شَرِيك وَإِلَى اِبْن أُمّ مَكْتُوم مُقَدَّمًا عَلَى الْخُطْبَة وَعَطْف جُمْلَة عَلَى جُمْلَة مِنْ غَيْر تَرْتِيب. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَنْ تَمِيم الدَّارِيّ : حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ سَفِينَة ) هَذَا مَعْدُود فِي مَنَاقِب تَمِيم لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّة. وَفِيهِ رِوَايَة الْفَاضِل عَنْ الْمَفْضُول , وَرِوَايَة الْمَتْبُوع عَنْ تَابِعه. وَفِيهِ قَبُول خَبَر الْوَاحِد. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثُمَّ أَرْفَئُوا إِلَى جَزِيرَة ) هُوَ بِالْهَمْزَةِ أَيْ اِلْتَجَئُوا إِلَيْهَا
قَوْله : ( فَجَلَسُوا فِي أَقْرَب السَّفِينَة ) هُوَ بِضَمِّ الرَّاء وَهِيَ سَفِينَة صَغِيرَة تَكُون مَعَ الْكَبِيرَة كَالْجَنِيبَةِ يَتَصَرَّف فِيهَا رُكَّاب السَّفِينَة لِقَضَاءِ حَوَائِجهمْ , الْجَمْع قَوَارِب , وَالْوَاحِد قَارِب بِكَسْرِ الرَّاء وَفَتْحهَا , وَجَاءَ هُنَا ( أَقْرَب ) , وَهُوَ صَحِيح لَكِنَّهُ خِلَاف الْقِيَاس. وَقِيلَ : الْمُرَاد بِأَقْرَب السَّفِينَة أُخْرَيَاتهَا , وَمَا قَرُبَ مِنْهَا لِلنُّزُولِ.
قَوْله : ( دَابَّة أَهْلَب ) كَثِير الشَّعْر , الْأَهْلَب غَلِيظ الشَّعْر كَثِيره.
قَوْله : ( فَإِنَّهُ إِلَى خَبَركُمْ بِالْأَشْوَاقِ ) أَيْ شَدِيد الْأَشْوَاق إِلَيْهِ. وَقَوْله : ( فَرِقْنَا ) أَي خِفْنَا.
قَوْله : ( صَادَفْنَا الْبَحْر حِين اِغْتَلَمَ ) أَيْ هَاجَ وَجَاوَزَ حَدّه الْمُعْتَاد , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : الِاغْتِلَام أَنْ يَتَجَاوَز الْإِنْسَان مَا حُدَّ لَهُ مِنْ الْخَيْر وَالْمُبَاح.
قَوْله : ( عَيْن زُغَر ) بِزَايٍ مُعْجَمَة مَضْمُومَة ثُمَّ غَيْن مُعْجَمَة مَفْتُوحَة ثُمَّ رَاء , وَهِيَ بَلْدَة مَعْرُوفَة فِي الْجَانِب الْقِبْلِيّ مِنْ الشَّام. وَأَمَّا ( طِيبَة ) فَهِيَ الْمَدِينَة , وَتُقَال لَهَا أَيْضًا ( طَابَة ) , وَسَبَقَ فِي كِتَاب الْحَجّ اِشْتِقَاقهَا مَعَ بَاقِي أَسْمَائِهَا.
قَوْله : ( بِيَدِهِ السَّيْف صَلْتًا ) بِفَتْحِ الصَّاد وَضَمّهَا أَيْ مَسْلُولًا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ قِبَل الْمَشْرِق مَا هُوَ ) قَالَ الْقَاضِي لَفْظَة ( مَا هُوَ ) زَائِدَة صِلَة لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ , وَالْمُرَاد إِثْبَات أَنَّهُ فِي جِهَات الْمَشْرِق.
قَوْله : ( فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبٍ يُقَال لَهُ رُطَب اِبْن طَاب , وَسَقَتْنَا سُوَيْق سُلْت ) أَيْ ضَيَّفَتْنَا بِنَوْعٍ مِنْ الرُّطَب , وَقَدْ سَبَقَ بَيَانه , وَسَبَقَ أَنَّ تَمْر الْمَدِينَة مِائَة وَعِشْرُونَ نَوْعًا. وَ ( سُلْت ) بِضَمِّ السِّين وَإِسْكَان اللَّام وَبِتَاءٍ مُثَنَّاة فَوْق , وَهُوَ حَبّ يُشْبِه الْحِنْطَة , وَيُشْبِه الشَّعِير.
قَوْله : ( تَاهَتْ بِهِ سَفِينَته ) أَيْ سَلَكَتْ عَنْ الطَّرِيق.