قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنّ ; فَإِنَّ الظَّنّ أَكْذَب الْحَدِيث ) الْمُرَاد النَّهْي عَنْ ظَنِّ السُّوء. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ تَحْقِيق الظَّنّ وَتَصْدِيقه دُون مَا يَهْجِس فِي النَّفْس ; فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُمْلَك. وَمُرَاد الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُحَرَّم مِنْ الظَّنّ مَا يَسْتَمِرّ صَاحِبه عَلَيْهِ , وَيَسْتَقِرّ فِي قَلْبه , دُون مَا يَعْرِض فِي الْقَلْب , وَلَا يَسْتَقِرّ ; فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيث " تَجَاوَزَ اللَّه تَعَالَى عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّة مَا لَمْ تَتَكَلَّم أَوْ تَعْمِد " وَسَبَقَ تَأْوِيله عَلَى الْخَوَاطِر الَّتِي لَا تَسْتَقِرّ - وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ سُفْيَان أَنَّهُ قَالَ : الظَّنّ الَّذِي يَأْثَم بِهِ هُوَ مَا ظَنَّهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ , فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّم لَمْ يَأْثَم. قَالَ : وَقَالَ بَعْضهمْ : يُحْتَمَل أَنَّ الْمُرَاد الْحُكْم فِي الشَّرْع بِظَنٍّ مُجَرَّد مِنْ غَيْر بِنَاء عَلَى أَصْل وَلَا نَظَر وَاسْتِدْلَال , وَهَذَا ضَعِيف أَوْ بَاطِل , وَالصَّوَاب الْأَوَّل. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا ) الْأَوَّل بِالْحَاءِ , وَالثَّانِي الْجِيم. قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : ( التَّحَسُّس ) بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاع لِحَدِيثِ الْقَوْم , وَالْجِيم الْبَحْث عَنْ الْعَوْرَات. وَقِيلَ : بِالْجِيمِ التَّفْتِيش عَنْ بَوَاطِن الْأُمُور , وَأَكْثَر مَا يُقَال فِي الشَّرّ , وَالْجَاسُوس صَاحِب سِرّ الشَّرّ , وَالنَّامُوس صَاحِب سِرّ الْخَيْر. وَقِيلَ : بِالْجِيمِ أَنْ تَطْلُبهُ لِغَيْرِك , وَبِالْحَاءِ أَنْ تَطْلُبهُ لِنَفْسِك. قَالَهُ ثَعْلَب : وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى. وَهُوَ طَلَب مَعْرِفَة الْأَخْبَار الْغَائِبَة وَالْأَحْوَال. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا ) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَسَد تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَة , وَأَمَّا الْمُنَافَسَة وَالتَّنَافُس فَمَعْنَاهُمَا الرَّغْبَة فِي الشَّيْء , وَفِي الِانْفِرَاد بِهِ , وَنَافَسْته مُنَافَسَة إِذَا رَغِبْت فِيمَا رَغِبَ. وَقِيلَ : مَعْنَى الْحَدِيث التَّبَارِي فِي الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابهَا وَحُظُوظهَا.