قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي أَنَا النَّذِير الْعُرْيَان ) قَالَ الْعُلَمَاء : أَصْله أَنَّ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ إِنْذَار قَوْمه وَإِعْلَامهمْ بِمَا يُوجِبُ الْمَخَافَة نَزَعَ ثَوْبه , وَأَشَارَ بِهِ إِلَيْهِمْ إِذَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُمْ لِيُخْبِرَهُمْ بِمَا دَهَمَهُمْ , وَأَكْثَر مَا يَفْعَلُ هَذَا رَبِيئَة الْقَوْم , وَهُوَ طَلِيعَتهمْ وَرَقِيبهمْ. قَالُوا : وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ لِلنَّاظِرِ , وَأَغْرَبُ وَأَشْنَعُ مَنْظَرًا , فَهُوَ أَبْلَغُ فِي اِسْتِحْثَاثِهِمْ فِي التَّأَهُّب لِلْعَدُوِّ. وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَا النَّذِير الَّذِي أَدْرَكَنِي جَيْشُ الْعَدُوّ , فَأَخَذَ ثِيَابِي , فَأَنَا أُنْذِركُمْ عُرْيَانًا.
قَوْله : ( فَالنَّجَاء ) مَمْدُود أَيْ اُنْجُوَا النَّجَاء أَوْ اُطْلُبُوا النَّجَاء. قَالَ الْقَاضِي : الْمَعْرُوف فِي النَّجَاء إِذَا أُفْرِدَ الْمَدّ , وَحَكَى أَبُو زَيْد فِيهِ الْقَصْر أَيْضًا , فَإِذَا مَا كَرَّرُوهُ فَقَالُوا : النَّجَاء النَّجَاء فَفِيهِ الْمَدّ وَالْقَصْر مَعًا. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتهمْ ) أَمَّا ( أَدْلَجُوا ) فَبِإِسْكَانِ الدَّال , وَمَعْنَاهُ سَارُوا مِنْ أَوَّل اللَّيْل. يُقَال : أَدْلَجْت بِإِسْكَانِ الدَّال إِدْلَاجًا كَأَكْرَمْت إِكْرَامًا , وَالِاسْم الدَّلْجَة بِفَتْحِ الدَّال. فَإِنْ خَرَجْت مِنْ آخِر اللَّيْل قُلْت : ادَّلَجْت بِتَشْدِيدِ الدَّال أَدْلِجُ اِدِّلَاجًا بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا. وَالِاسْم الدُّلْجَة بِضَمِّ الدَّال. قَالَ اِبْن قُتَيْبَة وَغَيْره : وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ الْوَجْهَيْنِ فِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا. وَأَمَّا
قَوْله : ( عَلَى مُهْلَتهمْ ) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الْهَاء بِتَاءٍ بَعْد اللَّام. وَفِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ ( مَهْلهمْ ) بِحَذْفِ التَّاء وَفَتْح الْمِيم وَالْهَاء , وَهُمَا صَحِيحَانِ.
قَوْله : ( فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْش فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ ) أَيْ اِسْتَأْصَلَهُمْ.