حَدِيث سَهْل بْن سَعْد فِي قِصَّة الْجَوْنِيَّة بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْوَاو ثُمَّ نُون فِي قِصَّة اِسْتِعَاذَتهَا لَمَّا جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح قِصَّتهَا فِي أَوَّل كِتَاب الطَّلَاق , وَقَوْله فِي هَذِهِ الطَّرِيق : " فَنَزَلَتْ فِي أُجُم " بِضَمِّ الْهَمْزَة وَالْجِيم هُوَ بِنَاء يُشْبِه الْقَصْر , وَهُوَ مِنْ حُصُون الْمَدِينَة , وَالْجَمْع آجَام مِثْل أُطُم وَآطَام. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأُطُم وَالْأُجُم بِمَعْنًى , وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيّ فَقَالَ : الْآجَام الْأَشْجَار وَالْحَوَائِط , وَمِثْله قَوْل الْكَرْمَانِيُّ : الْأُجُم بِفَتْحَتَيْنِ جَمْع أَجَمَة وَهِيَ الْغَيْضَة.
قَوْله : ( قَالَتْ : أَنَا كُنْت أَشْقَى مِنْ ذَلِكَ ) لَيْسَ أَفْعَل التَّفْضِيل فِيهِ عَلَى ظَاهِره , بَلْ مُرَادهَا إِثْبَات الشَّقَاء لَهَا لِمَا فَاتَهَا مِنْ التَّزَوُّج بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله : ( فَأَقْبَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة ) هُوَ الْمَكَان الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْبَيْعَة لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق بِالْخِلَافَةِ.
قَوْله : ( ثُمَّ قَالَ : اِسْقِنَا يَا سَهْل ) فِي رِوَايَة مُسْلِم مِنْ هَذَا الْوَجْه " اِسْقِنَا لِسَهْلٍ " أَيْ قَالَ لِسَهْلٍ اِسْقِنَا , وَوَقَعَ عِنْد أَبِي نُعَيْم " فَقَالَ اِسْقِنَا يَا أَبَا سَعْد " وَاَلَّذِي أَعْرِفهُ فِي كُنْيَة سَهْل بْن سَعْد أَبُو الْعَبَّاس , فَلَعَلَّ لَهُ كُنْيَتَيْنِ , أَوْ كَانَ الْأَصْل يَا اِبْن سَعْد فَتَحَرَّفَتْ.
قَوْله : ( فَأَخْرَجْت لَهُمْ هَذَا الْقَدَح ) فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي " فَخَرَجْت لَهُمْ بِهَذَا الْقَدَح ".
قَوْله : ( فَأَخْرَجَ لَنَا سَهْل ) قَائِل ذَلِكَ هُوَ أَبُو حَازِم الرَّاوِي عَنْهُ , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مُسْلِم فِي رِوَايَته.
قَوْله : ( ثُمَّ اِسْتَوْهَبَهُ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز بَعْد ذَلِكَ فَوَهَبَهُ لَهُ ) كَانَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز حِينَئِذٍ قَدْ وَلِيَ إِمْرَة الْمَدِينَة , وَلَيْسَتْ الْهِبَة هُنَا حَقِيقَة , بَلْ مِنْ جِهَة الِاخْتِصَاص. وَفِي الْحَدِيث التَّبَسُّط عَلَى الصَّاحِب وَاسْتِدْعَاء مَا عِنْده مِنْ مَأْكُول وَمَشْرُوب , وَتَعْظِيمه بِدُعَائِهِ بِكُنْيَتِهِ , وَالتَّبَرُّك بِآثَارِ الصَّالِحِينَ , وَاسْتِيهَاب الصِّدِّيق مَا لَا يَشُقّ عَلَيْهِ هِبَته , وَلَعَلَّ سَهْلًا سَمَحَ بِذَلِكَ لِبَدَلٍ كَانَ عِنْده مِنْ ذَلِكَ الْجِنْس أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَاجًا فَعَوَّضَهُ الْمُسْتَوْهِب مَا يَسُدّ بِهِ حَاجَته , وَاَللَّه أَعْلَم. وَمُنَاسَبَته لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَة مِنْ جِهَة رَغْبَة الَّذِينَ سَأَلُوا سَهْلًا أَنْ يُخْرِج لَهُمْ الْقَدَح الْمَذْكُور لِيَشْرَبُوا فِيهِ تَبَرُّكًا بِهِ.