قَوْله : ( حَدَّثَنَا النَّضْر ) هُوَ اِبْن شُمَيْلٍ , وَهِشَام هُوَ اِبْن عُرْوَة بْن الزُّبَيْر , وَعَبْد اللَّه بْن جَعْفَر أَيْ اِبْن أَبِي طَالِب. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ أَصْحَاب هِشَام بْن عُرْوَة عَنْهُ هَكَذَا ; وَخَالَفَهُمْ اِبْن جُرَيْجٍ وَابْن إِسْحَاق فَرَوَيَاهُ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر زَادَ فِي الْإِسْنَاد عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , وَالصَّوَاب إِسْقَاطه , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْله : ( خَيْر نِسَائِهَا مَرْيَم ) أَيْ نِسَاء أَهْل الدُّنْيَا فِي زَمَانهَا , وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ مَرْيَم خَيْر نِسَائِهَا لِأَنَّهُ يَصِير كَقَوْلِهِمْ زَيْد أَفْضَل إِخْوَانه , وَقَدْ صَرَّحُوا بِمَنْعِهِ , فَهُوَ كَمَا لَوْ قِيلَ فُلَان أَفْضَل الدُّنْيَا. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس بِلَفْظِ " أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة " فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى خَيْر نِسَاء أَهْل الْجَنَّة مَرْيَم , وَفِي رِوَايَة " خَيْر نِسَاء الْعَالَمِينَ " وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ) وَظَاهِره أَنَّ مَرْيَم أَفْضَل مِنْ جَمِيع النِّسَاء وَهَذَا لَا يَمْتَنِع عِنْد مَنْ يَقُول إِنَّهَا نَبِيَّة. وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَيْسَتْ بِنَبِيَّةِ فَيَحْمِلهُ عَلَى عَالَمِي زَمَانهَا , وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الزَّجَّاج وَجَمَاعَة وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيّ ; وَيُحْتَمَل أَيْضًا أَنْ يُرَاد نِسَاء بَنِي إِسْرَائِيل أَوْ نِسَاء تِلْكَ الْأُمَّة أَوْ " مِنْ " فِيهِ مُضْمَرَة وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ جُمْلَة النِّسَاء الْفَاضِلَات , وَيَدْفَعُ ذَلِكَ حَدِيث أَبِي مُوسَى الْمُتَقَدِّم بِصِيغَةِ الْحَصْر أَنَّهُ لَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء غَيْرهَا وَغَيْر آسِيَة.
قَوْله : ( وَخَيْر نِسَائِهَا خَدِيجَة ) أَيْ نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : خَدِيجَة أَفْضَل نِسَاء الْأُمَّة مُطْلَقًا لِهَذَا الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخَر قِصَّة مُوسَى حَدِيث أَبِي مُوسَى فِي ذِكْر مَرْيَم وَآسِيَة وَهُوَ يَقْتَضِي فَضْلهمَا عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء , وَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ مَرْيَم أَفْضَل مِنْ آسِيَة وَأَنَّ خَدِيجَة أَفْضَل نِسَاء هَذِهِ الْأُمَّة , وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّض فِي الْحَدِيث الْأَوَّل لِنِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّة حَيْثُ قَالَ : وَلَمْ يَكْمُل مِنْ النِّسَاء , أَيْ مِنْ نِسَاء الْأُمَّة الْمَاضِيَة , إِلَّا إِنْ حَمَلْنَا الْكَمَال عَلَى النُّبُوَّة فَيَكُون عَلَى إِطْلَاقه. وَعِنْد النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس " أَفْضَل نِسَاء أَهْل الْجَنَّة خَدِيجَة وَفَاطِمَة وَمَرْيَم وَآسِيَة " وَعِنْد التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ أَنَس " حَسْبك مِنْ نِسَاء الْعَالَمِينَ " فَذَكَرَهُنَّ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة " أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ مَلَك فَبَشَّرَهُ أَنَّ فَاطِمَة سَيِّدة نِسَاء أَهْل الْجَنَّة " وَسَيَأْتِي مَزِيد لِذَلِكَ فِي تَرْجَمَة خَدِيجَة مِنْ مَنَاقِب الصَّحَابَة.