حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة :
قَوْلُهُ : ( عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوه ) لَمْ يَسْبِق لِلْمَتْنِ الْمَذْكُور طَرِيق يَعُود عَلَيْهَا هَذَا الضَّمِير , وَكَأَنَّهُ يُشِير بِهِ إِلَى أَنَّ اللَّفْظ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ شَيْخه هُوَ بِمَعْنَى اللَّفْظ الَّذِي سَاقَهُ , فَكَأَنَّهُ كَتَبَ مِنْ حِفْظه وَتَرَدَّدَ فِي بَعْضه , وَيُؤَيِّدهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيِّ بَعْد قَوْله " نَحْوه " يَعْنِي وَلَمْ أَرَهُ مِنْ طَرِيق اِبْن الْمُبَارَك عَنْ مَعْمَر إِلَّا عِنْد الْمُصَنِّف , وَسَيَأْتِي عِنْده فِي ذِكْر مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ رِوَايَة عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر بِهَذَا اللَّفْظ , إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِي آخِره " الدَّهْر ".
قَوْلُهُ : ( لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل لَمْ يَخْنَز اللَّحْم ) يَخْنَز بِفَتْح أَوَّله وَسُكُون الْخَاء وَكَسْر النُّون وَبِفَتْحِهَا أَيْضًا بَعْدهَا زَاي أَيْ يُنْتِن , وَالْخَنَز التَّغَيُّر وَالنَّتْنُ , قِيلَ أَصْله أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل اِدَّخَرُوا لَحْم السَّلْوَى وَكَانُوا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَعُوقِبُوا بِذَلِكَ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ وَذَكَرَهُ غَيْره عَنْ قَتَادَةَ وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيل سَنُّوا اِدِّخَار اللَّحْم حَتَّى أَنْتَنَ لَمَا اُدُّخِرَ فَلَمْ يُنْتِن , وَرَوَى أَبُو نُعَيْم فِي " الْحِلْيَة " عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه قَالَ : فِي بَعْض الْكُتُب لَوْلَا أَنِّي كَتَبْت الْفَسَاد عَلَى الطَّعَام لَخَزَنَهُ الْأَغْنِيَاءُ عَنْ الْفُقَرَاءِ.
قَوْلُهُ : ( وَلَوْلَا حَوَّاء ) أَيْ اِمْرَأَة آدَم وَهِيَ بِالْمَدِّ , قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أُمّ كُلّ حَيّ , وَسَيَأْتِي صِفَة خَلْقهَا فِي الْحَدِيث الَّذِي بَعْده , وَقَوْله " لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجهَا " فِيهِ إِشَارَة إِلَى مَا وَقَعَ مِنْ حَوَّاء فِي تَزْيِينهَا لِآدَم الْأَكْل مِنْ الشَّجَرَة حَتَّى وَقَعَ فِي ذَلِكَ , فَمَعْنَى خِيَانَتهَا أَنَّهَا قَبِلَتْ مَا زَيَّنَ لَهَا إِبْلِيس حَتَّى زَيَّنَتْهُ لِآدَم , وَلَمَّا كَانَتْ هِيَ أُمّ بَنَات آدَم أَشْبَهَهَا بِالْوِلَادَةِ وَنَزَعَ الْعِرْق فَلَا تَكَاد اِمْرَأَة تَسْلَم مِنْ خِيَانَة زَوْجهَا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقَوْلِ , وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالْخِيَانَةِ هُنَا اِرْتِكَاب الْفَوَاحِش حَاشَا وَكَلَّا , وَلَكِنْ لَمَّا مَالَتْ إِلَى شَهْوَة النَّفْس مِنْ أَكْل الشَّجَرَة وَحَسَّنَتْ ذَلِكَ لِآدَم عَدَّ ذَلِكَ خِيَانَة لَهُ , وَأَمَّا مَنْ جَاءَ بَعْدهَا مِنْ النِّسَاء فَخِيَانَة كُلّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِحَسَبِهَا. وَقَرِيب مِنْ هَذَا حَدِيث " جَحَدَ آدَم فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّته " وَفِي الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى تَسْلِيَة الرِّجَال فِيمَا يَقَع لَهُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ بِمَا وَقَعَ مِنْ أُمّهنَّ الْكُبْرَى , وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَبْعهنَّ فَلَا يُفْرَط فِي لَوْم مَنْ وَقَعَ مِنْهَا شَيْء مِنْ غَيْر قَصْد إِلَيْهِ أَوْ عَلَى سَبِيل النُّدُور , وَيَنْبَغِي , لَهُنَّ أَنْ لَا يَتَمَكَّن بِهَذَا فِي الِاسْتِرْسَال فِي هَذَا النَّوْع بَلْ يَضْبِطْنَ أَنْفُسهنَّ وَيُجَاهِدْنَ هَوَاهُنَّ , وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.