حَدِيثُ اِبْن عُمَر فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي لُبَابَة أَوْرَدَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْه آخَر فِي أَوَّل الْبَاب.
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي يُونُس الْقُشَيْرِيِّ ) هُوَ حَاتِم بْن أَبِي صَغِيرَة , وَهُوَ بَصْرِيّ وَمَنْ دُونه , وَأَمَّا مَنْ فَوْقه فَمَدَنِيّ.
قَوْلُهُ : ( أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَقْتُل الْحَيَّات ثُمَّ نَهَى ) هُوَ بِفَتْح النُّون , وَفَاعِل نَهَى هُوَ اِبْن عُمَر , وَقَدْ بَيَّنَ بَعْد ذَلِكَ سَبَب نَهْيه عَنْ ذَلِكَ. وَكَانَ اِبْن عُمَر أَوَّلًا يَأْخُذ بِعُمُومِ أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْحَيَّات. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعًا " اُقْتُلُوا الْحَيَّات , فَمَنْ تَرَكَهُنَّ مَخَافَة ثَأْرهنَّ فَلَيْسَ مِنِّي ".
قَوْلُهُ : ( إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدَمَ حَائِطًا لَهُ فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخ حَيَّة ) هُوَ بِكَسْرِ السِّين الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا مُعْجَمَة وَهُوَ جِلْدهَا , كَذَا وَقَعَ هُنَا مَرْفُوعًا , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ وَجْه آخَر مَوْقُوفًا فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيق اللَّيْث عَنْ نَافِع " أَنَّ أَبَا لُبَابَة كَلَّمَ اِبْن عُمَر لِيَفْتَح لَهُ بَابًا فِي دَاره يَسْتَقْرِب بِهَا إِلَى الْمَسْجِد , فَوَجَدَ الْغِلْمَان جِلْد جَانّ. فَقَالَ اِبْن عُمَر : اِلْتَمِسُوهُ فَاقْتُلُوهُ , فَقَالَ أَبُو لُبَابَة : لَا تَقْتُلُوهُ " وَمِنْ طَرِيق يَحْيَى بْن سَعِيد وَعُمَر بْن نَافِع عَنْ نَافِع نَحْوه. وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ الْقِصَّة وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ. وَيَدُلّ لِذَلِكَ قَوْل اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الرِّوَايَة " وَكُنْت أَقْتُلهَا لِذَلِكَ " وَهُوَ الْقَائِل " فَلَقِيت أَبَا لُبَابَة ".
قَوْلُهُ : ( لَا تَقْتُلُوا الْجِنَّان إِلَّا كُلّ ذِي طُفْيَتَيْنِ ) إِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا فَفِيهِ تَعَقُّب عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَر لَيْسَ مِنْ الْجِنَّان , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مُنْقَطِعًا , أَيْ لَكِنَّ كُلّ ذِي طُفْيَتَيْنِ فَاقْتُلُوهُ وَالْجِنَّان بِكَسْرِ الْجِيم وَتَشْدِيد النُّون جَمْع جَانّ وَهِيَ الْحَيَّة الصَّغِيرَة , وَقِيلَ : الرَّقِيقَة الْخَفِيفَة , وَقِيلَ الدَّقِيقَة الْبَيْضَاء , الْحَادِي عَشَر حَدِيث عَائِشَة وَابْن عُمَر فِي الْخَمْس الَّتِي لَا جُنَاح عَلَى الْمُحْرِم فِي قَتْلهنَّ , وَقَعَ فِي حَدِيث عَائِشَة " الْحُدَيَّا " وَفِي حَدِيث اِبْن عُمَر " الْحَدَأَة " وَالْحُدَيَّا بِصِيغَةِ التَّصْغِير , وَقَدْ أَنْكَرَ ثَابِت فِي الدَّلَائِل هَذِهِ الصِّيغَة وَقَالَ الصَّوَاب الْحُدَيْأَة أَوْ الْحَدِّيَّة أَيْ بِهَمْزَةٍ وَزِيَادَة هَاء أَوْ بِالتَّشْدِيدِ بِغَيْرِ هَمْز , قَالَ : وَالصَّوَاب أَنَّ الْحُدَيْأَة لَيْسَ مِنْ هَذَا , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ التَّحَدِّي يَقُولُونَ : فُلَان يَتَحَدَّى فُلَانًا أَيْ يُنَازِعهُ وَيُغَالِبهُ , وَعَنْ اِبْن أَبِي حَاتِم , أَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ لِهَذَا الطَّائِر الْحُدَيَّا وَيَجْمَعُونَهُ الْحَدَادِيّ , وَكِلَاهُمَا خَطَأ. وَأَمَّا الْأَزْهَرِيّ فَصَوَّبَهُ وَقَالَ : الْحُدَيْأَة تَصْغِير الْحُدَيّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْح الْحَدِيث مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الْحَجّ.