حَدِيث الْإِسْرَاء أَوْرَدَهُ بِطُولِهِ مِنْ طَرِيق قَتَادَةَ عَنْ أَنَس عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة , وَسَأَذْكُرُ شَرْحه فِي السِّيرَة النَّبَوِيَّة قُبَيْل أَبْوَاب الْهِجْرَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَالْغَرَض مِنْهُ هُنَا مَا يَتَعَلَّق بِالْمَلَائِكَةِ , وَقَدْ سَاقَهُ هُنَا عَلَى لَفْظ خَلِيفَة , وَهُنَاكَ عَلَى لَفْظ هُدْبَة بْن خَالِد , وَسَأُبَيِّنُ مَا بَيْنهمَا مِنْ التَّفَاوُت إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. وَقَوْله " بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبَ مَلْآن " كَذَا لِلْأَكْثَرِ , وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ " مَلْأَى " وَالتَّذْكِير بِاعْتِبَارِ الْإِنَاء وَالتَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ الطَّسْت لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَة , وَوَجَدْت بِخَطِّ الدِّمْيَاطِيّ " مُلِئَ " بِضَمِّ الْمِيم عَلَى لَفْظ الْفِعْل الْمَاضِي , فَعَلَى هَذَا لَا تَغَايُر بَيْنه وَبَيْن قَوْله " مَلْآن " وَقَوْله " مَرَاقّ الْبَطْن " بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الرَّاء وَتَشْدِيد الْقَاف هُوَ مَا سَفَلَ مِنْ الْبَطْن وَرَقَّ مِنْ جِلْده , وَأَصْله مَرَاقِقُ , وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضِع رِقَّة الْجِلْد. وَقَوْله " بِدَابَّةِ أَبْيَض " ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنه مَرْكُوبًا , وَقَوْله فِي آخِره " وَقَالَ هَمَّام عَنْ قَتَادَةَ إِلَخْ " يُرِيد أَنَّ هَمَّامًا فَصَّلَ فِي سِيَاقه قِصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور مِنْ قِصَّة الْإِسْرَاء , فَرَوَى أَصْل الْحَدِيث عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَس , وَقِصَّة الْبَيْت عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَن , وَأَمَّا سَعِيد وَهُوَ اِبْن أَبِي عَرُوبَة وَهِشَام وَهُوَ الدَّسْتُوَائِيّ فَأَدْرَجَا قِصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور فِي حَدِيث أَنَس , وَالصَّوَاب رِوَايَة هَمَّام وَهِيَ مَوْصُولَة هُنَا عَنْ هُدْبَة عَنْهُ , وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مُعَلَّقَة , فَقَدْ رَوَى الْحَسَن بْن سُفْيَان فِي مُسْنَده الْحَدِيث بِطُولِهِ عَنْ هُدْبَة فَاقْتَصَّ الْحَدِيث إِلَى قَوْله " فَرَفَعَ لِي الْبَيْت الْمَعْمُور " قَالَ قَتَادَةَ " فَحَدَّثَنَا الْحَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ رَأَى الْبَيْت الْمَعْمُور يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك وَلَا يَعُودُونَ فِيهِ " وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَنْ الْحَسَن بْن سُفْيَان وَأَبِي يَعْلَى وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْر وَاحِد كُلّهمْ عَنْ هُدْبَة بِهِ مُفَصَّلًا , وَعُرِفَ بِذَلِكَ مُرَاد الْبُخَارِيّ بِقَوْلِهِ " فِي الْبَيْت الْمَعْمُور " وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيق سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الْبَيْت الْمَعْمُور مَسْجِد فِي السَّمَاء بِحِذَاءِ الْكَعْبَة لَوْ خَرَّ لَخَرَّ عَلَيْهَا , يَدْخُلهُ سَبْعُونَ أَلْف مَلَك كُلّ يَوْم إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا " وَهَذَا وَمَا قَبْله يُشْعِر بِأَنَّ قَتَادَةَ كَانَ تَارَة يُدْرِج قِصَّة الْبَيْت الْمَعْمُور فِي حَدِيث أَنَس وَتَارَة يَفْصِلهَا , وَحِين يَفْصِلهَا تَارَة يَذْكُر سَنَدهَا وَتَارَة يُبْهِمهُ , وَقَدْ رَوَى إِسْحَاق فِي مُسْنَده وَالطَّبَرِيُّ وَغَيْر وَاحِد مِنْ طَرِيق خَالِد بْن عُرْعُرَة عَنْ عَلِيّ " أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ السَّقْف الْمَرْفُوع قَالَ : السَّمَاء , وَعَنْ الْبَيْت الْمَعْمُور قَالَ : بَيْت فِي السَّمَاء بِحِيَالِ الْبَيْت حُرْمَته فِي السَّمَاء كَحُرْمَةِ هَذَا فِي الْأَرْض , يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك وَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ " وَفِي رِوَايَة لِلطَّبَرِيِّ أَنَّ السَّائِل عَنْ ذَلِكَ هُوَ عَبْد اللَّه بْن الْكَوَّا وَلِابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوه وَزَادَ " وَهُوَ عَلَى مِثْل الْبَيْت الْحَرَام لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ عَلَيْهِ " مِنْ حَدِيث عَائِشَة , وَنَحْوه بِإِسْنَاد صَالِح , وَمِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو نَحْوه بِإِسْنَاد ضَعِيف وَهُوَ عِنْد الْفَاكِهِيّ فِي " كِتَاب مَكَّة " بِإِسْنَاد صَحِيح عَنْهُ لَكِنْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ , وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيْهِ أَيْضًا وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا نَحْو حَدِيث عَلِيّ وَزَادَ " وَفِي السَّمَاء نَهْر يُقَال لَهُ نَهْر الْحَيَوَان يَدْخُلهُ جِبْرِيل كُلّ يَوْم فَيَغْمِس ثُمَّ يَخْرُج فَيَنْتَفِض فَيَخِرّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْف قَطْرَة يَخْلُق اللَّه مِنْ كُلّ قَطْرَة مَلَكًا , فَهُمْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ " وَإِسْنَاده ضَعِيف , وَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُنْذِر نَحْوه بِدُونِ ذِكْر النَّهْر مِنْ طَرِيق صَحِيحَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة لَكِنْ مَوْقُوفًا , وَجَاءَ عَنْ الْحَسَن وَمُحَمَّد بْن عَبَّاد بْن جَعْفَر أَنَّ الْبَيْت الْمَعْمُور هُوَ الْكَعْبَة , وَالْأَوَّل أَكْثَر وَأَشْهَر , وَأَكْثَر الرِّوَايَات أَنَّهُ فِي السَّمَاء السَّابِعَة. وَجَاءَ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا أَنَّهُ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة. وَبِهِ جَزَمَ شَيْخنَا فِي الْقَامُوس , وَقِيلَ هُوَ فِي السَّمَاء السَّادِسَة , وَقِيلَ هُوَ تَحْت الْعَرْش , وَقِيلَ إِنَّهُ بِنَاء آدَم لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْض ثُمَّ رُفِعَ زَمَن الطُّوفَان , وَكَأَنَّ هَذَا شَبَّهَهُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ الْكَعْبَة , وَيُسَمَّى الْبَيْت الْمَعْمُور الضِّرَاح وَالضَّرِيح.