( ش ) : قَوْلُهُ كُنْت مَعَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَجَاءَهُ إنْسَانٌ فَسَأَلَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ فِي الطَّوَافِ مُبَاحٌ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ يُرِيدُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بِاللَّهِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى عِتْقٍ وَلَا كِسْوَةٍ وَلَا إطْعَامٍ فَسَأَلَهُ الْإِنْسَانُ هَلْ مِنْ شَرْطِهَا الْمُتَابَعَةُ أَمْ لَا فَقَالَ حُمَيْدٌ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَهَا لِمَا كَانَ يَعْتَقِدُ فِيهَا مِنْ جَوَازِ التَّفْرِيقِ فَأَنْكَرَهُ مُجَاهِدٌ عَلَيْهِ لِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِيهَا وَاجِبَةٌ فَلَمْ يَسَعْهُ السُّكُوتُ إذْ كَانَ هُوَ الْمَسْئُولَ وَالْمُقَلَّدَ فَلَوْ سَكَتَ لَظَنَّ السَّائِلُ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَيَأْخُذُ بِهِ وَيُقَلِّدُهُ فِيهِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ وَالسَّائِلُ لَمْ يَرَ تَقْلِيدَ حُمَيْدٍ إمَّا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ , أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ , ثُمَّ احْتَجَّ مُجَاهِدٌ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ " وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ كُلَّ صَوْمٍ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فَالْأَفْضَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعًا إِلَّا أَنَّهُ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ التَّتَابُعُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عِنْدَهُمَا تَفْرِيقُهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ , وَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ وَالسَّبْعَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ فِيهِ التَّتَابُعَ ; لِأَنَّهُ عَلَى صِفَةِ مَا هُوَ قَضَاءٌ بِعَيْنِهِ , وَلِأَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الصَّوْمِ لِتَبْرَأَ الذِّمَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ , وَهَذَا مُطْلَقٌ وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ مُجَاهِدٌ مِنْ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ فَأَنَّهَا عِنْدَ قَوْمٍ تَجْرِي مَجْرَى أَخْبَارِ الْآحَادِ , وَاَلَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ إِلَّا بِمَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهِ التَّوَاتُرِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا , وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ قُرْآنًا لَمْ يَصِحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ.